ابراهيم بن عمر البقاعي
289
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان هذا ربما أوهم أن سواهم غير مقدور عليهم ، قال مؤكدا بالحصر دالّا على أنه هو الذي قسم الناس إلى طاغين ومؤمنين بالعطف على ما تقديره : فما حكم عليهم بذلك الضلال والهدى غيري ، وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا لاستخلاص المؤمنين وإقامة الحجة على الضالين : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ الذين أكثرهم كافرون إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * أي لينجروا تحت أقضيتي على وجه ينفعون به أنفسهم أو يضرونها لا لشيء يلحقني أنا منه شيء من نفع أو ضرر ، فإني بنيتهم على العجز وأودعتهم نوازع الهوى ، وركبت فيهم غرائز فهيأتهم لاتباع الهدى ، فمن أطاع عقله كان عابدا لي فارّا إليّ مع جريه تحت الإرادة ، عبادة شرعية أمرية يستفيد بها الثواب ، ومن أطاع الهوى كان عابدا لي مع مخالفته أمري عبادة إرادية قسرية يستحق بها العقاب ، وكل تابع لهواه إذا حقق النظر علم أن الخير في غير ما هو مرتكبه ، فما ألزمه ما هو فيه مع علمه بأن غيره خير منه إلا قهر إرادتي ، فهذه عبادة لغوية ، وذاك عبادة شرعية ، وقد مر في آخر هود ما ينفع هنا ، وهذا كله معنى قول ابن عباس : إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا وكرها . ولما حصر سبحانه خلقهم في إرادة العبادة ، صرح بهذا المفهوم بقوله : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ أي في وقت من الأوقات ، وعم في النفي بقوله : مِنْ رِزْقٍ أي شيء من الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع ، لأني منزه عن لحاق نفع أو ضر ، كما يفعل غيري من الموالي بعبيدهم من الاستكثار بغلاتهم والاستعانة بقواتهم لأني الغني المطلق وكل شيء مفتقر إليّ وَما أُرِيدُ أصلا أَنْ يُطْعِمُونِ * أي أن يرزقوني رزقا خاصا هو الإطعام ، وفيه تعريض بأصنامهم فإنهم كانوا يعملون معها ما ينفعها ويحضرون لها الأكل ، فربما أكلتها الكلاب ثم بالت على الأصنام . ثم لا يصدهم ذلك ، وهذه الآية دليل على أن الرزق أعم من الأكل ، والتعبير بالإرادة دالّ على ما قلت إنه مقصود بالعبادة . وهو الجري تحت الإرادة ، تارة بموافقة الشرع وتارة بمخالفته . ولما كان الاهتمام بأمر الرزق - وقد ضمنه سبحانه - شاغلا عن كثير من العبادة ، وكان الإنسان يظن أن الذي حصل له ما حواه من الرزق سعيه ، قال حاصرا ذلك مؤكدا إزالة لتلك الظنون معللا لافتا الكلام إلى سياق الاسم الأعظم الذي لم يتسم به غيره ، نصا على المراد وبالغا من الإرشاد أقصى المراد : إِنَّ اللَّهَ أي المحيط بجميع صفات الكمال المنزه عن شوائب النقص هُوَ أي لا غيره الرَّزَّاقُ أي على سبيل التكرار لكل حي وفي كل وقت . ثم وصفه بما يبين هوان ذلك عنده فقال : ذُو الْقُوَّةِ أي التي لا تزول بوجه الْمَتِينُ * أي الشديد الدائم الشدة .